ابن الحسن النباهي الأندلسي
123
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
وجرت عليه بسبب ذلك عظائم ، آخرها ما حكاه الأمير عبد اللّه « 1 » بن بلقّين بن باديس بن حبوس في كتابه المسمّى ب « التّبيان عن الحادثة الكائنة بدولة بني زيري في غرناطة » ، فقال عن جدّه السلطان المظفّر باديس إنّه كان قد ولّج إلى القاضي أبي عبد اللّه بن الحسن النّباهيّ ، في أمور مالقة ، قليلها وكثيرها . وكان ابن السقّاء صاحب قرطبة قد نقل إليه عنه أنّ المظفّر أراد أن يولّيه قصبة مالقة ، لولا ما أشار القاضي بخلاف ذلك ؛ فحقد عليه ذلك . وكان بمالقة رجل غريب ، يعرف بابن البزليانيّ ، طمع في تولية القضاء ، وقام في باله أنّه ، لو فقد النباهيّ ، لم يوجد للقضاء غيره . وكان حسن صاحب الدّبوس أمينا للمظفّر على الذخائر ، قد أشربت نفسه خوف القاضي ؛ فاتّفق رأي جميعهم على قتله عند ابن الفاسيّ بقرطبة ؛ وكان المذكور يريه الصداقة والتخدّم لإرادته . وكان للقاضي ضيعة بقرطبة ، كثيرا ما يتصرّف إليها ؛ وابن الفاسيّ يتولّى إصلاحها ، فلمّا أتى قدره ، مضى على عادته لجهة قرطبة ، ونزل بقريته ؛ فهبط إليه ابن الفاسي ، يقول له : « شرّفني ، يا سيّدي ! بالطلوع إليّ ، والقبول لضيافتي ! وما هي إلّا من مالك ومتاعك في الحقيقة ! » فطلع هو ومن كان معه من الفقهاء ، منهم الأديب غانم ؛ فلمّا تمّ بالطعام ، أراد الانصراف ؛ وابن الفاسي قد هيأ له سودانا متأهبين لأخذه فبادروا به وخنقوه وأطلق الآخرين ، وعدّد عليه قبل ذلك ما أفسده من توليته مالقة . ويحكى أنّ القاضي المذكور سمع صوتا ، في بعض زوايا بيته ، نهارا ؛ ولم ير شخصا قبل الذي حلّ به من هاتف ، يقول له بصوت ضعيف : [ الكامل ] قل للوزير القاضي النّباهي : * هل تستطيع دفاع أمر اللّه ؟ فجزع لذلك جزعا شديدا ، ولم يدر من أين يؤتى ؛ وتكرّر عليه الصوت ثلاث مرّات . ونافق بعد ذلك ابن الفاسيّ بقرطبة ، ومضى إليه المظفّر بنفسه ، وعبّأ أمواله ، وجمع عسكره ، ونزل عليها ؛ فأحسّ ابن الفاسيّ بميل الجند إلى الرئيس ، وخاف
--> ( 1 ) حكم عبد اللّه بن بلقين غرناطة من عام 467 ه إلى عام 483 ه ، حيث خلعه المرابطون وساقوه إلى أغمات . عن أخباره انظر كتابنا : مملكة غرناطة في عهد بني زيري البربر ( ص 171 - 239 ) .